مع دخول الذكاء الاصطناعي في صميم العمل القانوني، تبرز مهنةٌ جديدة تقع على تخوم القانون والتقنية معاً، وتُعدّ منطقة الخليج من أوائل الأسواق التي بدأت تحتضن هذا التخصص.
لم يعد القانون حقلاً بمعزلٍ عن التقنية. هذه القناعة أخذت تعيد رسم ملامح المهنة القانونية حول العالم، ورافقها بروز أدوارٍ لم تكن مطروحة قبل سنوات قليلة، في مقدّمتها «المهندس القانوني»، الذي يجمع بين استيعاب النصوص والإجراءات القانونية والقدرة على ترجمتها إلى أدوات وحلولٍ تقنية.
وفي وقتٍ تتسارع فيه وتيرة اعتماد الذكاء الاصطناعي في المؤسسات القانونية عالمياً، تتجه شركاتٌ ناشئة في المنطقة إلى تأهيل كوادر شابة على هذا الدور الهجين، في خطوةٍ تُعدّ من الأولى من نوعها إقليمياً. ومن بين هذه الشركات شركة «عقود» (Oqood AI)، وهي شركة تقنية قانونية مقرّها الكويت، ويعمل مؤسّسها على بناء منظومة ذكاء اصطناعي قانونية إقليمية، وقد استقطبت دفعةً من المتدرّبين في دور «المهندس القانوني» حديث النشأة، فيما تصفه بأنّه الأول من نوعه في المنطقة.
وتعكس الأرقام حجم هذا التحوّل؛ فبحسب تقرير «كليو» للاتجاهات القانونية لعام ٢٠٢٥، بات ٧٩٪ من المتخصصين القانونيين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم. وعلى مستوى المنطقة، تشير تقديرات «كِن ريسيرش» إلى أنّ سوق التقنية القانونية في دول مجلس التعاون الخليجي تبلغ قيمته نحو ١٫٢ مليار دولار، مدفوعةً باعتماد الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الإمارات والسعودية على وجه الخصوص.
ما الذي يفعله المهندس القانوني؟
يوضح العاملون في هذا المجال أنّ عمل المهندس القانوني اليومي يقع في المنطقة الفاصلة بين القانون والتقنية؛ فهو يتعامل مع العقود والعمليات القانونية ويتعمّق في فهمها، ثم يبحث في سبل تحويلها إلى حلولٍ أو أدواتٍ تُيسّر العمل وترفع كفاءته.
وبينما يتولّى المحامي مهمّة الاستشارة والترافع، ويتكفّل المبرمج ببناء النظام التقني، يأتي المهندس القانوني ليجسر الهوّة بين الطرفين؛ إذ يستوعب حاجة الفريق القانوني ويترجمها إلى لغةٍ يفهمها الفريق التقني وينفّذها.
«المحامي يركّز على الاستشارة أو الترافع، والمبرمج على بناء النظام، بينما يكون المهندس القانوني حلقة الوصل بينهما، بحيث يفهم احتياج الفريق القانوني ويترجمه بطريقة يستطيع الفريق التقني تنفيذها».
المهندسة القانونية نورة العتيبي
وقد يتّخذ هذا العمل طابعاً ملموساً إلى حدٍّ لافت. فقد تحدّث مؤسّس «عقود» الأستاذ خالد الراشد، في منشورٍ على «لينكدإن»، عن تصدّي الدفعة التدريبية خلال البرنامج الصيفي لإحدى أعقد المسائل في هذا الحقل؛ إذ عملت على ربط حكمٍ صادر عن المحكمة الدستورية الكويتية عام ٢٠١٨، قضى بعدم دستورية شقٍّ من أحد نصوص قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالنصوص القانونية المتأثّرة به. وهي، على حدّ قوله، من نوع التحديات التي يعمل عليها الفريق ويستمتع بها يومياً.
مهارات قانونية وتقنية.. لا برمجة خالصة
وعن المهارات الأكثر أهمية في هذا الدور، يُجمع المتخصصون على أنّه مزيجٌ بين التفكير القانوني والإلمام التقني، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يكون الشخص خبيراً في البرمجة.
فالأساس، بحسب رأيهم، أن يمتلك القانوني تأسيساً متيناً في مجاله، مع استعدادٍ حقيقي لتعلّم التقنية وفهم آلية عمل الأنظمة والذكاء الاصطناعي. كما تبرز مهارتا حلّ المشكلات والتواصل مع الفرق المختلفة بوصفهما من أهم ما يحتاجه العامل في هذا الميدان.
«لا يلزم أن تكون خبيراً في البرمجة، لكن الأهم أن يكون لديك تأسيس قانوني مع الاستعداد لتعلّم التقنية وفهم كيفية عمل الأنظمة والذكاء الاصطناعي؛ ومهارة حلّ المشكلات والتواصل مع الفرق المختلفة من أهم المهارات في هذا المجال».
المهندسة القانونية نورة العتيبي
لماذا هذا الدور بدلاً من المسار التقليدي؟
يرى بعض المنضمّين إلى هذا التخصص أنّ ما دفعهم إليه هو إدراكهم المبكر أنّ القانون لم يعد بمعزلٍ عن التقنية. فرغم دراستهم القانون في الأساس، ظلّ اهتمامهم منصبّاً على الذكاء الاصطناعي وقدرته على تغيير طريقة عمل القانونيين.
ويضيفون أنّ هذا المجال يتيح لهم اكتساب مهارةٍ جديدة تميّزهم عمّن يسلك الطريق التقليدي، لا سيّما في سوق عملٍ سريع التبدّل تتغيّر متطلباته عاماً بعد عام. وهو شعورٌ يتردّد لدى أفراد دفعة «عقود»، التي يُعدّ مؤسّسها من الأصوات الإقليمية المشاركة في مناقشة دور الذكاء الاصطناعي القانوني ضمن قمّة قانونية مرتقبة في الكويت.
«ما جذبني هو فكرة أنّ القانون لم يعد منفصلاً عن التقنية. درستُ القانون، لكنني كنت مهتماً بالذكاء الاصطناعي وكيف يمكن أن يغيّر طريقة عمل القانونيين، وشعرت أنّ هذا المجال يمنحني فرصة لأكون مميزاً عمّن يعمل بالطريقة التقليدية، خصوصاً أنّ سوق العمل يتغيّر بسرعة».
المهندس القانوني محمد معرفي
ويبدو أنّ هذا التوجّه يجد ما يسنده في السوق الإقليمية؛ إذ تشير تقديرات القطاع إلى أنّ نحو ٤٢٪ من الشركات القانونية في دول الخليج تستثمر في حلول الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة بياناتها، في حين يُتوقّع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي القانوني في الشرق الأوسط وأفريقيا بمعدّل سنوي مركّب يبلغ ١٨٪ حتى عام ٢٠٣٠.
وتشير هذه التجارب مجتمعةً إلى تحوّلٍ أعمق في المهنة القانونية، لم يعد فيه الإلمام بالتقنية ترفاً بل ضرورةً مهنية. وبالنسبة لشركاتٍ مثل «عقود»، فإنّ تأهيل هذه الكوادر محلياً ينسجم مع قناعةٍ أوسع مفادها أنّ المنطقة لا يمكنها الاكتفاء بأدوات ذكاء اصطناعي قانونية مستوردة، بل تحتاج إلى قانونيين يتقنون القانون والتقنية على حدٍّ سواء، ويدركون خصوصية الممارسة المحلية. وكما يرى الأستاذ الراشد، فإنّ الدقّة وربط المصادر القانونية ببعضها، لا البيانات وحدها، هي ما يبني منظومةً قانونيةً تعتمد عليها الفرق القانونية بثقةٍ تامة.