ثمّة افتراض شائع مفاده أنّ الفارق بين أداة ذكاء اصطناعي قانوني صُمّمت للأسواق الغربية وأخرى تخدم المنطقة العربية هو فارق لغة لا أكثر، لذلك يقول المنطق إنّه بإضافة دعمٍ للعربية ستُحَلّ المشكلة.
لكنّ من يمارس القانون في الخليج يعرف أنّ المسألة أعمق من ذلك بكثير. فاللغة ليست سوى الطبقة الظاهرة من اختلافٍ بنيوي يمتدّ إلى صميم الطريقة التي يُكتب بها القانون ويُفسَّر ويُطبَّق. وحين تُسقَط أدوات بُنيت على القانون العام الإنجليزي على النصّ التشريعي العربي، تظهر ثلاثة أخطاء متكرّرة، كلٌّ منها أعمق من سابقه.
الخطأ الأول: قراءة السابقة حيث يحكم النصّ
تستدلّ أنظمة القانون العام من السوابق القضائية المتراكمة، إذ يبني كلّ حكم على ما سبقه، وتتشكّل القاعدة القانونية عبر الزمن من خلال اجتهاد المحاكم. وقد دُرّبت أدوات الذكاء الاصطناعي القانونية الكبرى على هذا المنطق بأن تبحث عن السابقة، وأن تزن الحكم بحكمٍ آخر، وأن تستخلص القاعدة من تراكم الأحكام.
غير أنّ أنظمة القانون المدني، التي تحكم معظم الدول العربية، تسير على نحوٍ مختلف جوهرياً. فالمصدر الأساسي هو النصّ التشريعي المقنَّن، والقاضي يطبّق النصّ لا يصنعه، ويبقى دور الاجتهاد القضائي محكوماً ومقيَّداً بإطار التشريع. والأداة التي تبحث غريزياً عن “السابقة” في بيئةٍ يحكمها النصّ لا تفهم خطأً عابراً، بل تخطئ في تحديد مصدر السلطة القانونية من الأساس. إنّها تطرح السؤال الخطأ قبل أن تبدأ البحث عن إجابته.
الخطأ الثاني: معاملة النصّ العربي بوصفه ترجمة
في كثير من دول المنطقة، تشترط القوانين استخدام العربية في المعاملات والإيداعات الرسمية. وهذا يعني أنّ النصّ العربي ليس نسخةً مترجَمة عن وثيقةٍ أصلها بالإنجليزية، بل هو الوثيقة المعمول بها ذاتها، وهو النصّ الذي يُحتجّ به أمام الجهات القضائية.
لكنّ المنصّات الدولية تُبنى على نواةٍ إنجليزية أوّلاً، ثمّ تُضاف إليها العربية كطبقة لاحقة. وهذا الترتيب يقلب التسلسل الفعلي للعمل القانوني رأساً على عقب، فما هو أصلٌ مُلزِم يُعامَل بوصفه ترجمةً ثانوية، وما هو ثانوي يُعامَل بوصفه الأصل. وهذه هي الفجوة التي صُمّمت المنصّات المبنيّة إقليمياً لسدّها، فشركاتٌ مثل “عقود” للذكاء الاصطناعي، التي بُنيت أنظمتها للممارسة ثنائية اللغة وأنظمة القانون المدني من الأساس لا كتعديلٍ على نواةٍ إنجليزية، تتعامل مع النصّ العربي بوصفه ما هو عليه قانوناً، أي الوثيقة المعمول بها، لا ترجمةً مضافة فوقها. والنتيجة في غياب ذلك ليست مجرّد ركاكة في الصياغة، بل خللٌ في تحديد أيّ نصٍّ هو الحجّة وأيّها مجرّد استئناس، وهو خلل قد يكون مكلفاً حين يصل النزاع إلى المحكمة.
الخطأ الثالث: تجاهل أنّ المصطلح القانوني ليس محايداً
المصطلح القانوني ليس كلمةً في قاموس، بل مفهومٌ محمَّلٌ بسياقه التشريعي وتاريخه القضائي. وكثير من المصطلحات في القانون المدني العربي لا تملك مقابلاً دقيقاً في القانون العام الإنجليزي، لأنّها تنتمي إلى بنيةٍ قانونية مختلفة في أصلها.
حين تترجم أداةٌ مصطلحاً عربياً إلى أقرب كلمة إنجليزية، أو العكس، فإنّها تنقل اللفظ وتُسقط المعنى. وقد يبدو الناتج سليماً للقارئ غير المتخصّص، لكنّه أمام محامٍ أو قاضٍ يكشف عن فجوةٍ في الفهم: مفهومٌ نُقل من نظامٍ إلى نظامٍ آخر من دون أن يُنقل معه إطاره. وهذه الفجوة، في العمل القانوني، هي الفرق بين أداةٍ يُعتمد عليها وأداةٍ تُصبح مصدر خطر.
لماذا يهمّ هذا الآن
لا تُطرح هذه الأخطاء الثلاثة بوصفها نقداً نظرياً، بل لأنّها تمسّ قراراً عمليّاً تتّخذه مكاتب المحاماة في المنطقة اليوم. فمع تسارع تبنّي الذكاء الاصطناعي في المهنة القانونية عالمياً، تواجه الشركات في الخليج خياراً بين أدوات قوية صُمّمت لنظامٍ قانوني آخر ولغةٍ أخرى، وأدوات بُنيت من الأساس للبيئة التي تعمل فيها فعلاً.
والمسألة، في جوهرها، ليست أيّ أداةٍ أكثر تطوّراً، بل أيّها يفهم القانون الذي يُمارَس هنا. فالأداة التي تقرأ السابقة حيث يحكم النصّ، وتعامل الأصل العربي بوصفه ترجمة، وتنقل المصطلح من دون إطاره، لا تقدّم خدمةً ناقصة فحسب، بل تقدّم فهماً خاطئاً لقانونٍ كُتب بمنطقٍ لم تُصمَّم هي لقراءته. وهذا، لمهنةٍ تُبنى على الدقّة، فارقٌ لا يُستهان به.