شيّد المشغلون الثلاثة في الكويت شبكة تصل إلى 97% من البلاد، وسوقاً تتوقع التنبؤات بقاء إيراداته الإجمالية دون تغيير. وتمثل خريطة الطريق لـ5G المتقدم والذكاء الاصطناعي التي وقعتها هيئة تنظيم الاتصالات مع هواوي حجة حول ما ستطرحه الشبكة للبيع بعد الآن.
لا تبدو الوثيقة التي أصدرتها هيئة تنظيم الاتصالات وهواوي في 12 يوليو وكأنها إنجاز تنظيمي بارز. تُحدد ورقة الكويت الاستراتيجية البيضاء لعصر 5G المتقدم والذكاء الاصطناعي أولوياتها في تطور 5G المتقدم وتحسين الاتصال الداخلي والذكاء الشبكي ورقمنة الصناعة وتبني التقنيات الناشئة بطريقة مسؤولة. وعند تجاهل الإطار الرسمي فإنها أطروحة حول الإيرادات موجهة إلى قطاع نفدت منه مصادر النمو السهلة.
تظهر المشكلة التي تتناولها بوضوح في الأرقام التي يعلن عنها مشغلو الاتصالات الكويتيون. يمتلك كل من زين وإس تي سي وأوريدو نحو ثلث سوق يضم حوالي 4.9 ملايين نسمة، ووفقاً لتوقعات ResearchAndMarkets فإن إيرادات خدمات الاتصالات الإجمالية في الكويت ستبقى مستقرة إلى حد كبير حتى 2029 إذ تعادل مكاسب بيانات الهواتف المحمولة والنطاق العريض الثابت تراجع خدمات الصوت. وتتمتع البلاد بتغطية وطنية لـ5G المتقدم التي فعلتها هيئة تنظيم الاتصالات عام 2025 ونفذتها هواوي مع المقاول المحلي Knetco عبر المشغلين الثلاثة. وبلغ متوسط سرعات التنزيل عبر الهاتف المحمول 399.9 ميغابت في الثانية في يناير 2026 محتلاً المركز الثالث عالمياً حسب قياس Ookla. لقد انتهى العمل الهندسي. ما ينقص السوق هو طريقة للحصول على مقابل ذلك.
التحول الذي تدور حوله خريطة الطريق فعلياً
هذه هي الفجوة التي بنيت الورقة البيضاء حولها، وهي تتوافق مع أطروحة يروج لها هواوي على المستوى العالمي. في مؤتمر MWC ببرشلونة خلال مارس وصف لي بنغ فرص الناقلين بأنها تحول بقيمة عشرة تريليونات دولار، مشيراً إلى أن الشبكات ستتصل قريباً لا بالبشر بل بمئات المليارات من وكلاء الذكاء الاصطناعي التي لكل منها متطلباتها الحسابية وزمن الاستجابة، مقترحاً «5G-A x AI» كمسار الترقية الذي يمكّن المشغل من تحقيق إيرادات أكثر من مجرد حركة المرور. وتستورد الوثيقة الكويتية هذا المنطق كاملاً. ويأتي تركيزها على الذكاء الشبكي ورقمنة الصناعة ترجمة محلية لفكرة واحدة: بيع الأداء المضمون والذكاء الاصطناعي المدمج لا الغيغابايتات. وقد عبر سامي القدومي مدير منتجات حلول الصناعة في هواوي والذي حضر مراسم التوقيع عن الفرضية الأساسية بصراحة أكبر. «لا يعمل الذكاء الاصطناعي في الفراغ» كتب «بل يعمل على الشبكة، والشبكة التي نبنيها اليوم هي التي ستحمل وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين والصناعات الذكية والخدمات العامة الأذكى غداً». وأضاف أن ما علق في ذهنه «لم يكن الإنجازات المذكورة على الغلاف» بل «الشعور السائد في الغرفة بأن كل هذا بنية تحتية لشيء أكبر».
وتوجد الآلية بالفعل في الكويت. فقد فعّل المشغلون الثلاثة نوى 5G المستقلة عام 2025 مما يتيح لهم تقسيم الشبكة إلى طبقات افتراضية تضمن زمن الاستجابة والإنتاجية لتطبيق محدد، وهو الأساس الفني لبيع خدمة متعاقد عليها لحفار آلي أو بث فيديو حيوي بدلاً من حزمة بيانات مسطحة. ويتجه رأس المال بالفعل في هذا الاتجاه إذ أعلن المشغلون عن قفزات مزدوجة الرقم في الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات عام 2025 بينما استقرت ترقيات الراديو بعد إتمام التغطية. وتوفر الورقة البيضاء الإطار السياسي لتحول بدأت الموازنات في التوجه نحوه من دونها.
ما يميز خريطة الطريق عن مجرد عنوان
يتجاوز دور الوثيقة مجرد الطموح في الأجزاء غير المكتملة من الشبكة. فقد ذُكر الاتصال الداخلي كأولوية لسبب وجيه: إذ تحتل سرعات الهواتف المحمولة المرتبة الثالثة عالمياً بينما يحتل النطاق العريض الثابت المرتبة 24 بمتوسط 226.2 ميغابت في الثانية، وتتحدد تجربة 5G المتقدم داخل المباني والمراكز التجارية والمواقع الصناعية بنتائج الوعد بالخدمات المميزة. وتهدف خريطة الطريق التي تدفع المشغلين من التغطية الخارجية إلى الكثافة الداخلية والصناعية إلى الطبقة التي يصبح فيها تقسيم الشبكة قابلاً للبيع فعلياً.
والحد الحقيقي يكمن في هوية من يمسك بالقلم. فشريك التكنولوجيا في خريطة الطريق هو ذاته المورد الذي بنى الشبكة التي تصفها، ويصدر إطار «البنية التحتية لشيء أكبر» عن موظفي هذا المورد نفسه. ويلاحظ الدليل التجاري الأمريكي للكويت أن الشركات الصينية تواصل الفوز بعقود البنية التحتية الرقمية في البلاد بفضل الأسعار التنافسية في وقت تجعل فيه قواعد توطين البيانات اختيار من يدير البنية التحتية السيادية مسألة راهنة. وورقة بيضاء شارك مورد المعدات في تأليفها هي استراتيجية ووثيقة مبيعات في آن واحد. وهذا لا يجعل تشخيصها خاطئاً. فالإيرادات الثابتة والشبكة المكتملة حقيقتان مستقلتان عن هوية من يسميهما؛ وتكمن قيمة خريطة الطريق في تنفيذها من قبل ثلاثة مشغلين يتنافسون بقوة كافية ليصل عرض الذكاء الاصطناعي إلى العملاء لا إلى مجرد عروض تقديمية.
كانت المرة الأخيرة التي حظي فيها مشغلو الاتصالات الكويتيون بقصة نمو سهلة هي بيع البيانات لسكان يشترون هواتفهم الذكية للمرة الأولى. لقد انتهت تلك القصة، والتوقع بالإيرادات الثابتة هو ما تبدو عليه نهايتها. وتمثل الورقة البيضاء رهاناً على أن القصة التالية هي بيع الذكاء للآلات. ووفقاً للأدلة الحالية فإن الشبكة اللازمة لتشغيلها باتت جاهزة بالفعل؛ أما نموذج الأعمال فهو الجزء الذي لا يزال قيد الكتابة.