مع مرور 50 عاماً على دخول الكونكورد الخدمة الركابية، يشمل تاريخه مهمة شاقة في الكويت تمثلت في قياس أداء الإقلاع في درجات حرارة بلغت -كما تذكر مهندس- 48 درجة مئوية.
قبل أن يرتبط اسم الكونكورد بالعبور السريع عبر الأطلسي والركاب المشاهير، احتاج مهندسوه إلى تحديد أدائه في بعض الظروف التي ستواجهها شركات الطيران. وفي أغسطس 1974، أدى ذلك العمل إلى وصول الطائرة الأسرع من الصوت إلى الكويت.
كانت الطائرة هي G-BBDG المعروفة بدلتا غولف، وهي أول إنتاج بريطاني للكونكورد. وشمل برنامج تطويرها إجراء عمليات إقلاع مقيسة في حرارة الصيف الكويتية، وهي حلقة تضع الكويت ضمن القصة الهندسية العملية وراء واحدة من أكثر طائرات الطيران شهرة.
يستحق هذا الارتباط اهتماماً متجدداً في 2026، الذكرى الخمسين لدخول الكونكورد الخدمة التجارية. فبينما تحتفل الذكرى ببدء رحلات الركاب، جاء دور الكويت في مرحلة أسبق عندما كانت الطائرة لا تزال تجمع الأدلة المطلوبة لتشغيلها.
في انتظار ارتفاع حرارة الكويت
يسجل التسلسل الزمني المنشور للطائرة رحلة إلى الكويت في 19 أغسطس 1974 لقياس أداء الإقلاع عند درجة حرارة محيطة بلغت 46 درجة مئوية. وكانت مهمة اختبار محددة ضمن برنامج أوسع نقل الطائرة أيضاً في أنحاء الخليج ومن ثم إلى سنغافورة.
قدم المهندس السابق في شركة الطائرات البريطانية ريتشارد هاريس رواية شخصية أكثر تفصيلاً في عدد فبراير 2021 من مجلة ماخ 2 المتخصصة في الكونكورد. تذكر أنه حلق إلى الكويت في ثلاثة أيام متتالية مع إعادة تزويد الطائرة بالوقود والانتظار حتى تصل درجات الحرارة إلى ما يعتقده الفريق الحد الأقصى اليومي.
تذكر هاريس قراءات بلغت 45 درجة مئوية ثم 46 وأخيراً 48 درجة مئوية. وأثناء الانتظار وفر جناح الطائرة مأوى لهم.
تصف روايته الشخصية الكويت بأنها موقع عمليات الإقلاع ذات الأداء المقيس، مع عودة الطائرة إلى قاعدة البرنامج في البحرين. ولهذا التمييز أهميته: استضافت الكويت جزءاً معيناً من العمل وليس كامل عملية الاختبار في الخليج.
كانت الحرارة بالنسبة للمهندسين هي سبب وجودهم هناك. فالظروف التي جعلت الانتظار بجانب الطائرة غير مريح كانت بالضبط الظروف التي سافروا لقياسها.
العمل وراء السرعة
تعتمد سمعة الكونكورد بقوة على ما حدث بعد الإقلاع. تسجل الخطوط الجوية البريطانية سرعة طيران تبلغ حوالي 1350 ميلاً في الساعة ورحلة نموذجية من لندن إلى نيويورك تستغرق أقل قليلاً من ثلاث ساعات ونصف الساعة.
لكن بلوغ تلك السرعات كان جزءاً واحداً فقط من إعداد الطائرة لخدمة الركاب. ووفقاً لـالرواية التاريخية للخطوط الجوية البريطانية، خضعت الكونكورد لنحو 5000 ساعة اختبار قبل اعتمادها الأولي لرحلات الركاب.
وتصف الشركة أيضاً المتطلبات الهندسية غير المعتادة للسفر الأسرع من الصوت. إذ تسببت الحرارة في تمدد هيكل الطائرة أثناء الطيران، بينما ساعد طلاء أبيض مطور خصيصاً في تبديد الحرارة. واستخدمت محركاتها الأربعة تقنية إعادة التسخين لتوفير قوة إضافية عند الإقلاع والانتقال إلى الطيران الأسرع من الصوت.
ارتبطت تجارب الكويت بشرط تشغيلي مختلف: الإقلاع في طقس حار استثنائي. ومجتمعة تظهر هذه التفاصيل سبب امتداد برنامج التطوير إلى ما هو أبعد من مجرد إثبات قدرة الطائرة على السفر بضعف سرعة الصوت.
ينتمي دور الكويت إلى ذلك التاريخ الأقل ظهوراً. فقد وفرت البلاد الظروف التي مكنت الفريق من جمع قياسات الأداء قبل أن تصبح الطائرة خدمة ركاب راسخة.
فصل خليجي قبل سنوات الأطلسي
تجاوز تاريخ الكونكورد في الشرق الأوسط سلسلة اختبارات واحدة. يسجل الجدول الزمني لمتحف بروكلاندز قيام دلتا غولف بزيارات استعراضية في المنطقة عام 1974 شملت الكويت وأبوظبي وقطر ومسقط ودبي.
لذلك شارك الخليج في كل من البرنامج الفني والجهود الرامية إلى تعريف العملاء المحتملين بالطائرة. كانت هذه الأنشطة مرتبطة لكنها خدمت أغراضاً مختلفة: حدد قياس الأداء ما تستطيع الطائرة القيام به، بينما أظهرت الاستعراضات الطائرة لمن قد يشترونها أو يشغلونها.
كما لعب الإقليم دوراً في بدايات العمليات التجارية. فأول خدمة مجدولة للكونكورد لدى الخطوط الجوية البريطانية انطلقت من مطار هيثرو بلندن إلى البحرين في 21 يناير 1976.
أثارت هذه الذكرى احتفاءً جديداً. ففي يناير 2026 كشفت دار سك العملة الملكية عن عملة 50 بنساً خاصة بالكونكورد طُورت بالتعاون مع الخطوط الجوية البريطانية وإيرباص. يصور التصميم الطائرة أمام خلفية لوحة المغادرة.
أمام الجمهور الكويتي توفر الذكرى سبباً للنظر إلى ما وراء الارتباط المعتاد للكونكورد بلندن ونيويورك. إذ سبق للطائرة أن قضت وقتاً في الاختبار والاستعراض عبر الخليج قبل أن تحدد تلك الطرق صورتها العامة.
من وصول ملكي إلى طائرة محفوظة
عاد الكونكورد إلى الكويت في دور مختلف تماماً عام 1979 حاملاً الملكة إليزابيث الثانية في بداية جولتها الإقليمية. توثق الصور الصادرة عن مجموعة التراث في الخطوط الجوية البريطانية ذلك الوصول، وتربط الطائرة بلحظة بارزة في التاريخ الدبلوماسي الكويتي.
كانت الزيارة الملكية واختبارات 1974 حلقتين منفصلتين. جلبت الأولى راكباً معروفاً دولياً، وجلبت الثانية مهندسين يبحثون عن بيانات أداء. ومعاً يفسران سبب ظهور الكونكورد في تاريخ الكويت زائراً احتفالياً وطائرة اختبار عاملة في آن واحد.
لم تدخل دلتا غولف الخدمة التجارية مطلقاً. ووفقاً لـمتحف بروكلاندز أكملت 663 رحلة بين فبراير 1974 وديسمبر 1981 منها 374 رحلة بسرعات أسرع من الصوت.
اقتنتها الخطوط الجوية البريطانية لاحقاً مصدراً لقطع الغيار. ثم نقل الهيكل الباقي إلى بروكلاندز حيث أدى ترميم استغرق عامين إلى افتتاحها أمام الجمهور في يوليو 2006.
لذلك فإن الطائرة التي زارت الكويت لا تزال متاحة فعلياً محفوظة في ساري بدلاً من أن تعيش فقط في الصور. يربط تاريخها بين معروض المتحف ومهمة صيفية شاقة قبل أكثر من نصف قرن: الانتظار على مدرج كويتي حتى ترتفع درجة الحرارة بما يكفي لإجراء الاختبار التالي.