حين يصل نزاع تعاقدي إلى مكتب أحد الشركاء المديرين في مدينة الكويت أو الرياض، نادراً ما يأتي بلغة واحدة. فقد يكون العقد الأساسي محرَّراً بالعربية، والمراسلات جارية بالإنجليزية، والقانون الواجب التطبيق متجذّراً في نظام مدني لا يوجد له مقابل مباشر في القانون العام، والمذكرة مستحقة التقديم بالعربية أمام محكمة لن تقبل سواها. والتنقّل بين هذه المستويات، بدقة وتحت ضغط الوقت، هو العمل اليومي للممارسة القانونية في الخليج.
وهو أيضاً تحديداً العمل الذي لم تُصمَّم معظم أدوات الذكاء الاصطناعي القانونية للقيام به.
فالمنصّات المهيمنة في سوق التقنية القانونية العالمية بُنيت على القانون العام الناطق بالإنجليزية. وبياناتها التدريبية، وافتراضاتها حول كيفية بناء الحجّة القانونية، والسوابق التي تستند إليها، كلّها تعكس الأنظمة التي بُنيت من أجلها. لقد أصبحت أدوات مثل ليكسيس نيكسيس وويستلو لا غنى عنها لشركات في لندن ونيويورك لسبب وجيه. لكنّ الممارسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجدوا على نحو متزايد أنّ ما ينجح في تلك الأسواق لا ينتقل بسلاسة إلى أسواقهم.
ويقول خالد الراشد، المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة عقود للذكاء الاصطناعي، الذي أمضى خمسة عشر عاماً في الممارسة القانونية قبل تأسيس الشركة: “كانت الأدوات المتاحة إمّا قديمة، وإمّا منصّات دولية لا تدعم عملنا المحلي والإقليمي على النحو الأمثل. الخليج يعمل بالعربية وفي إطار أنظمة القانون المدني. كلّ عقد، وكلّ مذكرة، وكلّ إيداع تنظيمي يمكن أن ينتقل بين العربية والإنجليزية من دون سابق إنذار. والأداة التي لا تستطيع التعامل مع هذا البناء ليست ناقصة فحسب، بل تصبح عبئاً أمام العميل.”
وتشخيص الراشد نابع من تجربة مباشرة. فبصفته شريكاً مديراً في شركة تقنين للمحاماة، أمضى سنوات في توسيع الفريق وعملياته، واصطدم مراراً بالسقف نفسه: لم تكن هناك منصّة تقنية قانونية عربية مصمّمة ومبنية للطريقة التي تعمل بها الشركات في المنطقة فعلياً. كانت الخيارات الدولية قويّة لكنّها غير ملائمة. والمحلّية كانت قديمة. والفجوة بينهما هي حيث كانت شركته تخسر الوقت، وحيث ترسّخت لديه القناعة بأنّ مهنة القانون في المنطقة لا تحظى بالخدمة التي تستحقّها.
عدم توافق بنيوي، لا مشكلة ترجمة
الميل الغريزي، عند مواجهة أداة مبنيّة للغة أخرى، هو معاملة المسألة على أنّها مسألة ترجمة. أضِف دعماً للعربية، هكذا يجري التفكير، وتُحَلّ المشكلة.
لكنّ هذا يقلّل من عمق عدم التوافق. فأنظمة القانون العام تستدلّ من السوابق المتراكمة، إذ يبني كلّ حكم على ما سبقه. أمّا أنظمة القانون المدني، التي تحكم معظم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتستدلّ من النصّ التشريعي المقنَّن، حيث يكون النصّ المكتوب هو المصدر الأساسي وتؤدّي الأحكام القضائية دوراً مختلفاً وأكثر تقييداً. والذكاء الاصطناعي المدرَّب على التفكير عبر السوابق لا يحتاج ببساطة إلى مفردات جديدة ليعمل في نظام قانون مدني، بل يحتاج إلى نموذج مختلف لكيفية بناء السلطة القانونية من الأساس.
ويُضاف إلى ذلك، فوقه، عنصر اللغة، وليس كأمر ثانوي. إذ تشترط عدّة جهات قضائية في المنطقة استخدام العربية في المعاملات والإيداعات الرسمية، ما يعني أنّ النصّ العربي ليس ترجمةً للوثيقة المعمول بها، بل هو الوثيقة المعمول بها ذاتها. والمنصّة التي تعامل العربية كطبقة ثانوية فوق نواة إنجليزية أوّلاً تقلب التسلسل الفعلي للعمل رأساً على عقب.
أمّا بالنسبة إلى عقود، فيقول الراشد إنّ الاستجابة كانت البناء انطلاقاً من هذا الواقع من الألف إلى الياء، بدلاً من تكييف أداة صُمّمت لواقع آخر: منصّة بمستوى المؤسسات، مبنيّة للممارسة ثنائية اللغة ولأنظمة القانون المدني في المنطقة. والشركة حاصلة على شهادتَي ISO وSOC 2، وتلتزم بجميع متطلّبات تنظيم البيانات عبر المنطقة من خلال بنية مرنة وقابلة للتكيّف.
لماذا بقيت الفجوة مفتوحة
إذا كانت الحاجة بهذا الوضوح، فالسؤال البديهي هو لماذا ظلّت دون تلبية كلّ هذا الوقت.
جزء من الإجابة هو حجم السوق والاهتمام. فقد بنت أكبر شركات التقنية القانونية خططها حول الأسواق التي تدرّ أكبر العائدات، ما يعني الجهات القضائية الناطقة بالإنجليزية ذات القانون العام أوّلاً. أمّا فرصة الذكاء الاصطناعي القانوني في الشرق الأوسط، التي يقدّرها الراشد بنحو أربعة مليارات دولار كسوق يمكن الوصول إليه، فلم تجتذب بعد التركيز نفسه من رأس المال أو من اهتمام المنتجات لدى اللاعبين العالميين.
وهذا بدأ يتغيّر، وهو جزء ممّا يجعل اللحظة الراهنة حاسمة للشركات التي تتّخذ قرارات تقنية الآن. فمع اتجاه المنصّات الدولية نحو المنطقة، يصبح سؤال مَن يبني طبقة البيانات القانونية العربية، ومَن يبنيها بشراكة حقيقية مع المؤسسات التي تضع المعايير الإقليمية، سؤالاً محدِّداً لملامح هذا المجال.
وهو أيضاً الموضع الذي رسّخت فيه عقود موقعها، مستندةً إلى شراكة استراتيجية مع جمعية المحامين الكويتية تشير إليها الشركة كدليل على أنّ نهجها مبنيٌّ مع مؤسسات المنطقة، لا مستورَدٌ إليها من خارجها.
القرار أمام الشركاء المديرين
بالنسبة إلى الشركاء المديرين والمستشارين القانونيين الذين يوازنون بين هذه الأدوات، يطرح الراشد الخيار لا بوصفه مقارنة بين الميزات، بل بوصفه مسألة ملاءمة.
ويقول: “يمكن أن تمتلك أكثر الأدوات تطوّراً في العالم، لكن إذا كانت لا تفهم النظام القانوني الذي تمارس فيه فعلاً، واللغات التي تعمل بها فعلاً، فهي تحلّ مشكلة شخص آخر، لا مشكلتك.”
ولمهنةٍ تعمل، كلّ يوم، عبر لغتين وعبر منظومة قانونية لم تُكتَب للندن ولا لنيويورك، فإنّ هذا التمييز ليس نظرياً. إنّه الفرق بين أداة تبقى دون استخدام وأداة تكسب مكانها في الممارسة.