طوط نقل أسقطتها شظايا الاعتراضات الجوية، وانقطاعات مجدولة، وفاتورة استيراد كهرباء تتضاعف، ونحاس يسجل أعلى أسعاره في التاريخ: أزمة الشبكة الكويتية لها سلسلة توريد، وبدايتها من منطقة الصليبية الصناعية.
دخلت منظومة الكهرباء الكويتية صيف 2026 تحت ضغط لم تعرفه في تاريخها الحديث. ففي مارس/آذار، أخرجت الشظايا المتساقطة من عمليات الاعتراض الجوي 7 خطوط نقل هوائية من الخدمة، فيما أدت ضربات استهدفت محطات لتوليد الكهرباء وتحلية المياه إلى توقف وحدتي توليد. وفي أبريل/نيسان، بدأت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة انقطاعات مبرمجة على محطات التحويل الثانوية لتقوية الشبكة قبل ذروة الأحمال، قبل أن يقر مجلس الخدمة المدنية في مايو/أيار خفض ساعات الدوام الحكومي من 7 إلى 6 ساعات يوميا تخفيفا للضغط خلال أشهر الحر.
فاتورة تراكمت عقدا كاملا
الأزمة ليست ظرفية بقدر ما هي بنيوية. فالقدرة الإنتاجية المركبة ظلت شبه ثابتة عند حدود 20 غيغاواط لسنوات، بينما يتجاوز الاستهلاك الصيفي مرارا حاجز 16 ألف ميغاواط ليدخل ما تسميه الوزارة المنطقة الحمراء. وكان مقررا أن تصل واردات الكهرباء عبر الربط الخليجي إلى 1.5 غيغاواط هذا العام، أي 3 أضعاف ما سحبته البلاد قبل صيفين فقط، إلى جانب خطط أعلنت عنها تقارير لإضافات طارئة بنحو 1200 ميغاواط، وتوسعة للربط الخليجي قد تغذي الكويت مستقبلا بما يصل إلى 3500 ميغاواط.
وكل ميغاواط من هذه القائمة، مستوردا كان أم مولدا محليا، لا يصل إلى مقبس كهربائي إلا عبر موصلات وكابلات ووصلات. الكويت، بعبارة أخرى، مقبلة على أكبر إنفاق على شبكات النقل والتوزيع في تاريخها، وفي البورصة شركة واحدة مدرجة تصنع ما يشتريه هذا الإنفاق.
شركة واحدة في قلب المعادلة
شركة الخليج للكابلات والصناعات الكهربائية، التي تأسست عام 1975 وتتداول أسهمها في بورصة الكويت، تنتج المدى الكامل الذي تتطلبه الأزمة: كابلات القدرة متوسطة ومنخفضة الجهد، وموصلات الخطوط الهوائية، والكابلات المقاومة للحريق، وكابلات الطاقة الشمسية.
وفي مايو/أيار، أفصحت المجموعة عن ترسية عقد لتوريد موصلات نحاسية للخطوط الهوائية، وهي الفئة ذاتها من البنية التحتية التي تضررت في ضربات مارس/آذار، بعد أيام من حصول إحدى شركات المجموعة على طلبية منفصلة لكابلات الضغط المتوسط. ولم يقف دور الشركة عند حدود التوريد التجاري؛ ففي جمعيتها العمومية المنعقدة في 18 مايو/أيار برئاسة نائب رئيس مجلس الإدارة بدر ناصر الخرافي، فوض المساهمون المجلس بتقديم تبرعات تصل إلى 500 ألف دينار (نحو 1.6 مليون دولار) لوزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة دعما لأهدافها وخدماتها العامة، إلى جانب إقرار توزيعات نقدية بواقع 70 فلسا للسهم عن 2025.
النحاس يكتب الفصل العالمي
توقيت كل ذلك يضع الشركة في قلب أقوى سوق عالمية شهدتها صناعتها على الإطلاق. فقد سجل النحاس أعلى سعر في تاريخه عند 14527.5 دولارا للطن في بورصة لندن للمعادن في يناير/كانون الثاني، وما زال يتداول فوق 13300 دولار حتى أواخر يونيو/حزيران، مدفوعا بالقوى ذاتها التي تعيد تشكيل أجندة الطاقة الكويتية: الاستثمار في الشبكات، وبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي يتوقع أن تستهلك وحدها نحو 500 ألف طن من النحاس سنويا بحلول 2030، والاضطرابات المتكررة في كبرى المناجم.
صحيح أن النحاس القياسي سلاح ذو حدين لصانع الكابلات، فهو المدخل كما هو المنتج، لكن عاملين يرجحان كفة المصنعين المحليين. الأول أن تسعير الكابلات في الصناعة يتحرك عموما مع سعر المعدن، فتنعكس المستويات المرتفعة على قيم العقود. والثاني، وهو الأكثر التصاقا بهذه اللحظة، أن البنك الدولي يشير إلى أن ارتفاع كلفة الشحن والتأمين عبر مضيق هرمز يرفع أسعار مواد البناء المستوردة إلى الكويت؛ فكل تصعيد في مخاطر الملاحة يوسع أفضلية كابل لا يركب سفينة أصلا. وفي بيئة مشتريات أصبحت فيها ضمانة التسليم متغيرا من متغيرات الأمن الوطني، يساوي مصنع في الصليبية أكثر من مجرد إنتاجه.
سهم لم يواكب بعد
اللافت أن السوق لم تعد تسعير أي من ذلك حتى الآن. فسهم الخليج للكابلات يتداول دون ذروته التاريخية عند 2360 فلسا المسجلة في أبريل/نيسان 2025، أي قبل الضربات وقبل تصاعد فاتورة الاستيراد وقبل أرقام النحاس القياسية، رغم أن خلفية الطلب على نشاطها الأساسي لم تزدد إلا صلابة. وما زال السهم يتداول إلى حد بعيد بوصفه ورقة توزيعات في قطاع صناعي هادئ، بينما يوحي تدفق الطلبيات في الشهرين الأخيرين بأن القطاع أي شيء إلا هادئ.
وبينما تمضي الوزارة في جدول صيانتها الصيفي وتزن الدولة استثمارات التوليد طويلة الأجل، تبقى الحقيقة القريبة أبسط من ذلك كله: الشبكة يعاد بناؤها خطا خطا، بأغلى أسعار نحاس سجلت يوما، وفي إقليم لم يكن الاستيراد فيه أكثر خطورة مما هو اليوم. وجزء كبير من هذا الخط يصنع في الكويت، لدى شركة واحدة