بقلم: أمين الدوسري، رئيس مجلس إدارة شركة أورمانا للاستثمار
عشرون عاماً وأنا أصوغ الصوت الذي تسمع به الكويت نفسها. كنتُ مُعِدّ برامج إذاعية في وزارة الإعلام، أبني مع زملائي ما يحمل صباحات هذا الوطن وحكاياته، أفراحه وعثراته، إلى البيوت والسيارات والدواوين في طول البلاد وعرضها. والإذاعة تُعلّمك ما تعجز عنه الأرقام: أن الوطن ليس ناتجه المحلي، بل حكايةٌ تُروى وتُعاد حتى يؤمن بها أهلها فيبنون. ويبقى أن أحداً لا بد أن ينهض بالبناء، في الأستوديو كما في السوق.
ويوم تركتُ الميكروفون إلى عالم الاستثمار، لم يفارقني ذلك الدرس؛ بل رافقني في كل خطوةٍ خطتها أورمانا. وهو عينه ما أودّ أن أهمس به في أذن كل مستثمرٍ خليجي يتساءل اليوم أين يضع أمواله في السنوات المقبلة: دعْ عنك الضجيج، وأصغِ إلى الحكاية التي لم تكتمل روايتها بعد. وفي هذه المنطقة، اسم تلك الحكاية: الكويت.
إنها سنواتٌ مباركة يعيشها الخليج. فمن حولنا طموحٌ يتحوّل إنجازاً على نحوٍ شدّ إليه أنظار العالم، والكويت تفخر بأن تكون بين أمم تبني غدها بثقةٍ وعزم. غير أن في خضمّ هذا الزخم حقيقةً لا يلبث المستثمر المحنّك أن يهتدي إليها: أن أصدق العوائد تُولد غالباً من حيث لا تقع عليه العين، مما لا تلتقطه عدسةٌ من علٍ، كالثقة، والسمعة الطيبة، والاسم الذي تطمئن إليه القلوب، والسوق الذي طال التهوين من شأنه. ومن يُحسن تقدير هذه المعاني، قلّما تجده سائراً مع القطيع.
وهنا لبّ ما أقوله لإخواني المستثمرين في الخليج: إن الفصل القادم من صناعة الثروة في منطقتنا لن يُسطَّر بالإسمنت وحده. سيُسطَّر بالعلامات التي تصنع في النفوس مكانة، وبالأسماء التي تمتدّ إليها الأيدي بلا تردّد، وبالشركات التي تكسب الولاء ولا تستأجره، وبتلك الثقة التي لا تُبنى إلا على مهلٍ ولا يطالها مزاد. والمُعِدّ يدرك هذا في قرارة نفسه: ما يعود إليه الناس بمحض اختيارهم لا سبيل إلى تزويره. فأغلى ما في السوق ليس ما تبصره العين من أصول، بل ما تكسبه من إيمان.
والكويت تربةٌ خصبة لهذا الاستثمار الصبور الذي تسنده الهُويّة. عندنا مستهلكٌ مرهف الذوق، وتجارةٌ ضاربةٌ في القدم سبقت النفط ذاته، وشعبٌ يعرف الجودة ولا يبخل عليها بالتقدير. وكل ما نقصنا أحياناً يقينٌ بأننا قادرون على أن نصنع ما تشتهيه المنطقة. وهذا اليقين، في تقديري، يتبدّل اليوم، ومن يتنبّه إليه باكراً لن يندم.
ولم أبلغ هذه القناعة تنظيراً، بل تجربةً عشتها. بدأت أورمانا من بوابة الجمال: أخذنا من المغرب كنوزه الطبيعية، وصاغها العلم في أيدينا، فولدت علامة عنايةٍ فاخرة، لا في عواصم هذا الفن المعروفة، بل من هنا، من قلب الكويت. قيل لنا بلطفٍ إن التجميل الفاخر مضمارٌ لسوانا، فلم نُذعن. واليوم تقف أورمانا، ومعها بقية أسماء محفظتنا، شاهداً متواضعاً على حقيقةٍ أكبر: أن بمقدور شركةٍ كويتية أن تبتكر ما هو راقٍ ومتفرّدٌ يزاحم الكبار إقليمياً، وأن المشكّكين إنما كانوا يقيسون بالميزان الخطأ.
ومن هذه القاعدة مضينا إلى العقار، ثم إلى المقاولات والتطوير؛ وهو الميدان الأشقّ والأثقل رأسمالاً: البناء في صورته الأصدق. ولم يكن هذا التدرّج محض مصادفة. فمن يتعلّم كيف يكسب ثقة الناس في أمرٍ حميمٍ كما يضعونه على بشرتهم، يعي أن المبدأ ذاته يسري على العمارة، وعلى الحيّ، وعلى المشروع الذي ستحيا العائلات تحت سقفه. نحن لا نركض خلف الصفقة العابرة، بل ننشد القيمة التي تنمو على مهلٍ لأنها غُرست في الجودة وحُرست بالصبر. وليست هذه أكثر طرائق الاستثمار رواجاً، لكنها أبقاها وأرسخها على ما أوقن.
وإلى رائد الأعمال في الرياض، والبيت الاستثماري في الدوحة، والمستثمر في المنامة وأبوظبي ممن تطوف عيناه على هذه السطور أقول: لا أدعوكم إلى الثقة بالكويت ثقةً عمياء، بل أدعوكم إلى ما فعلتُه أنا؛ أن تتأمّلوا ما هو قائمٌ هنا بحقّ. انظروا في سوق المستهلك، وفي الكفاءات، وفي شغف الناس بالعلامات الوطنية التي تحمل حكايةً جديرةً بأن يُؤمَن بها. ثم احكموا بأنفسكم.
قضيتُ عقدين أعين على رواية حكاية هذا الوطن لأهله، ثم قضيتُ ما بعدها واضعاً مالي وثقتي في أنها حكايةٌ صادقة. فما خُذلت، ولا أحسبني سأُخذَل.
إن أوفر الفرص عطاءً قلّما تكون تلك التي يتزاحم عليها الجميع. والكويت تنتظر، في هدوءٍ، من يملك من الحكمة ما يكفي لينظر عن قُربٍ، ويُصغي.